الجصاص

538

أحكام القرآن

سلمة : ( ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ) قال : " قدم علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس منا رجل إلا وله اسمان أو ثلاثة ، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : يا فلان ، فيقولون : مه يا رسول الله إنه يغضب من هذا الاسم ! فأنزلت هذه الآية : ( ولا تنابزوا بالألقاب ) " . وهذا يدل على أن اللقب المكروه هو ما يكرهه صاحبه ويفيد ذما للموصوف به ، لأنه بمنزلة السباب والشتيمة . فأما الأسماء والأوصاف الجارية غير هذا المجرى فغير مكروهة لم يتناولها النهي ، لأنها بمنزلة أسماء الأشخاص والأسماء المشتقة من أفعال . وقد روى محمد بن إسحاق عن محمد بن يزيد بن خيثم عن محمد بن كعب قال : حدثني محمد بن خيثم المحاربي عن عمار بن ياسر قال : كنت أنا وعلي بن أبي طالب رفيقين في غزوة العشيرة من بطن ينبع ، فلما نزل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم أقام بها شهرا وصالح فيها بني مدلج وحلفاءهم من بني ضمرة ووادعهم ، فقال لي علي رضي الله عنه : هل لك أن تأتي هؤلاء من بني مدلج يعملون في عير لهم ننظر كيف يعملون ! فأتيناهم فنظرنا إليهم ساعة ثم غشينا النوم ، فعمدنا إلى صور من النخل في دقعاء من الأرض فنمنا ، فما أنبهنا إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدمه ، فجلسنا وقد تتربنا من تلك الدقعاء ، فيومئذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي : " يا أبا تراب " لما عليه من التراب ، فأخبرناه بما كان من أمرنا فقال : " ألا أخبركم بأشقى رجلين ؟ " قلنا : من هما يا رسول الله ؟ قال : " أحيمر ثمود الذي عقر الناقة والذي يضربك يا علي على هذا " ووضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على رأسه " حتى تبل منه هذه " ووضع يده على لحيته . وقال سهل بن سعد : " ما كان اسم أحب إلى علي رضي الله عنه أن يدعى به من أبي تراب " . فمثل هذا لا يكره ، إذ ليس فيه ذم ولا يكرهه صاحبه . وحدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا إبراهيم بن مهدي قال : حدثنا شريك عن عاصم عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا ذا الأذنين " . وقد غير النبي صلى الله عليه وسلم أسماء قوم ، فسمى العاص عبد الله وسمى شهابا هشاما وسمى حربا سلما ، وفي جميع ذلك دليل على أن المنهي من الألقاب ما ذكرنا دون غيره . وقد روي أن رجلا أراد أن يتزوج امرأة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " انظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئا " يعني الصغر . قال أبو بكر : فلم يكن ذلك غيبة لأنه لم يرد به ذم المذكور ولا غيبته . مطلب : الظن على أربعة أضرب وقوله تعالى : ( اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ) اقتضت الآية النهي عن بعض الظن لا عن جميعه ، لأن قوله : ( كثيرا من الظن ) يقتضي البعض ، وعقبه بقوله : ( إن بعض الظن إثم ) فدل على أنه لم ينه عن جميعه . وقال في آية أخرى : ( وإن الظن